محمد متولي الشعراوي
3208
تفسير الشعراوى
يجده فهو يلف ويدور ويسأل في كل صيدليات البلد فإن لم يجده فهو يوصى المسافر إلى الخارج لعله يأتي له بالدواء . وإذا جاء له صديق بهذا الدواء فهو يمتلئ بالامتنان بالسرور . أيقبل المريض على الدواء غير المستساغ بعاطفته أم بعقله ؟ إنه يقبل على الدواء غير المستساغ الطعم ويحبه بعقله . والحب العقلي - إذن - هو إيثار النافع . ومثال ذلك نجد الوالد لابن غبي يحب ابنا ذكيا لإنسان غيره . الوالد - هنا - يحب ابنه الغبي بعاطفته . ولكنه يحب ابن جاره لأنه يمتلك رصيدا من الذكاء . إذن هناك حب عقلي وحب عاطفى . وهذا ما يحدث في المجال البشرى لكن بالنسبة للّه فلا . وعندما يقول الحق : « فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ » أي أنهم يحبون اللّه بعقولهم ، وقد يتسامى الحب إلى أن يصير بعاطفتهم ، وقد يجرب ذلك حين يجرى اللّه على أناس أشياء هي شر في ظاهرها ، ولكنهم يظلون على عشق للّه . ومعنى ذلك أن حبهم للّه انتقل من عقولهم إلى عاطفتهم . وسيدنا عمر جرى معه حل هذا الإشكال . كيف ؟ لقد قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه » « 1 » . وهناك من قال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إنه أحب إليه من ماله وولده لكن عمر بن الخطاب - رضى اللّه عنه - قال : أنت أحب إلىّ من مالي وولدى أما نفسي فلا وأعاد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم القول : « لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه » « 2 » . وهنا علم عمر - رضى اللّه عنه - أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقصد الحب العقلي ؛ لأن عمر رضى اللّه عنه علم أيضا أن الحب العاطفى لا يكلف به ، ولذلك قال عمر : الآن أحبك عن نفسي ، فرد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : الآن
--> ( 1 ، 2 ) رواه أحمد 4 / 336 والسيوطي في الدر المنثور 3 / 223 .